السيد حسن القبانچي
45
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع )
رسول اللّه فداك آباؤنا وأمهاتنا إن أصحاب المعروف في الدنيا عرفوا بمعروفهم فبم يعرفون في الآخرة ؟ فقال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « إن اللّه إذا أدخل أهل الجنة الجنة أمر ريحا عبقة طيبة فلصقت بأهل المعروف ، فلا يمر أحد منهم بملأ من أهل الجنة إلا وجدوا ريحه فقالوا هذا من أهل المعروف » . لذلك نرى الإمام ( زين العابدين عليه السّلام ) أفرد لأهل المعروف عنوانا خاصا ، وجعل لهم حقا وكرامة ، فقال : « وأما حق ذي المعروف . . . » فحقه هو الشكر والاعتراف بالجميل ، فالإنسان الصحيح كما يقولون - ينسى عيوب الناس ويذكر عيوب نفسه ، وينسى إحسانه إلى الناس ويذكر إحسان الناس إليه ، ليكون دائما شاكرا معترفا بالمعروف ، ذاكرا إياه ذكرا طيبا أمام الناس ومن المعروف الدعاء له وهو من باب الشكر . وليس من المستحسن أن تذكر له ذلك ، وإنما الخير أن تدعو له فيما بينك وبين ربك . وأن تعينه على بعض أمره إذا اضطر إلى معين ، وأن تشد يدك إلى يده إذا كان بحاجة إلى ذلك ، وإن أمكنتك المكافأة كافأته ، والمكافأة تكون من طرق شتى فإحدى هذه الطرق طريق العقل - أي يمكنك أن تكافئه بأن تبذل له النصح ، أو أن تعلمه شيئا يستفيد منه ، وغير ذلك . وذو المعروف الذي يشير إليه الإمام هو كل من يسدي خيرا ومعروفا إلى أحد ، ومن أجلّ أفراده اللّه سبحانه ، فهو أول المحسنين ، وهو أول ذوي الخير فيجب شكره عن طريق العبادة والإخلاص له ، وعن طريق ترك ما سواه والتوجه التام إليه ، فإذا كان ذلك ، فقد حصل الشكر ، وإلا فالمعروف الذي ليس يقابل بشكر يخاف عليه الزوال ، والإمام أمير المؤمنين عليه السّلام يقول : ( إذا رأيتم أوائل النعم ، فلا تنفروا أقصاها بقلة الشكر ) . فقلة الشكر تبعد النعم ، وإن الشكر عليها مجلبة لها ومدعاة . حقيقة المعروف : « المستفيض بين الناس أن كل واحد منهم لا يعتبر نفسه مدينا لك بالشكر إلا بمقدار ما أسديته إليه : فمنهم من يقدره بمقدار الخطر الذي أنقذته منه ، ومنهم من يقدر معروفك عنده بمقدار ما نقدته من المال : فلو أعطيته مائة درهم كان شكرانه لك على قدرها ، ولو أعطيته مائتين كان شكره على حسب العدد وهلم جرّا » .